X
تبلیغات
رایتل

فدایی سید علی

توضیحی ندارد!!

نداء الإمام القائد السید علی الحسینی الخامنئی إلى حجاج بیت الله الحرام – 1432هجریة

بسم الله الرحمن الرحیم

الحمد لله ربّ العالمین وصلوات الله وتحیاته على سید الأنام محمد المصطفى وآله الطیبین وصحبه المنتجبین.حلّ الآن ربیع الحج بطراوته وصفائه المعنوی وعظمته وحشمته الموهوبة، وصیّر القلوب المؤمنة والمشتاقة کالفَراشات تحلّق حول کعبة التوحید والوحدة. مکة ومنى والمشعر وعرفات منازل أناسٍ سُعداء لَبّوا نداء (وَأَذِّن فِی النَّاسِ بِالْحَجِّ) وفازوا بالحضور فی دعوة الربّ الکریم الغفور. فهنا ذلک البیت المبارک ومنطلق الهدایة، حیث تسطع منه الآیات الإلهیة البینات وتمتدّ فیه مظلة الأمان على رؤوس الجمیع.اغسلوا القلب فی زمزم الصفاء والذکر والخشوع، وافتحوا عیون باطنکم على آیات ربّ العالمین الباهرة، واتجهوا إلى الإخلاص والتسلیم فهما معالم العبودیة الحقیقیة، وأحیوا القلوبَ مرّات ومرّات بذکرى ذلک الأب الذی أخذ إسماعیله إلى المذبح عن طواعیة وتسلیم، وبذلک تعرفون الطریق اللاحب الواضح الذی فتحه أمَامنا للوصول إلى مقام الخلیل للربّ الجلیل، واحفظوا فی همتکم المؤمنة ونیتکم الصادقة عزم ولوج هذا الطریق.مقام إبراهیم واحد من تلک الآیات البیّنات. موضع قدم إبراهیم (علیه السلام) جوار الکعبة الشریفة، لیس إلا رمزاً لمقام إبراهیم. مقام إبراهیم هو مقام إخلاصه وإیثاره وتضحیته ، هو مقام وقوفه أمام دوافع النفس وعواطف الأبوّة، وکذلک أمام سیطرة الکفر والشرک وسلطة نمرود العصر.هذان الطریقان للنجاة ماثلان الآن أمام کل فرد من أفراد أمتنا الإسلامیة. ما فینا من همّة وشجاعة وعزم راسخ یستطیع أن یقودنا إلى نفس تلک الأهداف التی دعا البشرَ إلیها أنبیاءُ الله من آدم إلى الخاتم، ووعدوا السائرین نحوها بالعزّة والسعادة فی الدنیا والآخرة.فی هذا المحضر العظیم للأمة الإسلامیة ینبغی للحجاج أن یتناولوا أهمّ مسائل العالم الإسلامی. إنّ على رأس هذه المسائل جمیعاً الیوم، النهوض والثورة فی بعض البلدان المهمّة الإسلامیّة. بین حجّ العام الماضی وحجّ هذا العام برزت فی دنیا الإسلام حوادث تستطیع أن تغیّر مصیر الأمة الإسلامیة، وتبشّر بمستقبل وضّاء مُفعم بالعزّة والتطور المادی والمعنوی. فی مصر وتونس ولیبیا أطیحَ بالطواغیت المتفرعنین الفاسدین العملاء، وفی بعض البلدان الأخرى تتصاعد أمواج الثورات الشعبیة لتهدّد قصور المال والقوّة بالإبادة والانهدام. هذه الصفحة الجدیدة من تاریخ أمتنا توضّح حقائق هی بأجمعها من الآیات الإلهیة البینات، وتقدّم لنا دروساً حیاتیة، هذه الحقائق یجب أن تؤخذ بنظر الاعتبار فی جمیع محاسبات الشعوب المسلمة.الأولى : أنه انبثق من قلب الشعوب التی کانت لعشرات السنوات قابعة تحت السیطرة السیاسیة الأجنبیة جیل من الشباب باعتماد على النفس ـ یستحق التقدیر ـ خاطر بنفسه ونهض لمواجهة القوى المهیمنة وشمّر عن ساعد الجدّ لتغییر الأوضاع.والحقیقة الأخرى: أنه رغم سیطرة الحکام العَلمانیین وما بذلوه من سعی فی السرّ والعلن لعزل الدین عن الحیاة فی هذه البلدان، فإن الإسلام بنفوذٍ وحضور باهر وعظیم قد صار هادیاً و موجّهاً للألسن والقلوب، ومثل ینبوع متدفّق بعث الطراوة والحیاة فی أقوال الجماهیر الملیونیة وأعمالهم. وفی تجمعاتهم ومواقفهم. المآذن والمساجد والتکبیر والشعارات الإسلامیة معالم واضحة لهذه الحقیقة، والانتخابات الأخیرة فی تونس برهان قاطع على هذا الادّعاء. ومن دون شک فإن الانتخابات الحرّة فی أی بلد إسلامی آخر سوف لا تکون لها غیر نتیجة ما حدث فی تونس.والأخرى : أن حوادث هذا العام قد بیّنت للجمیع أن الله العزیز القدیر قد جهّز فی عزم الشعوب وإرادتها قدرةً لا تستطیع أن تقاومها أیة قدرة أخرى. الشعوب بما وهبها الله من هذه القوة قادرة أن تغیّر مصیرها وتجعل النصر الإلهی من نصیبها.والأخرى: أنّ الدول المستکبرة وعلى رأسها أمریکا مع انّها قد عملت لعشرات الأعوام، بممارسة أحابیلها السیاسیة والأمنیة، على إخضاع حکومات المنطقة ظانة أنها قد عبّدت طریقاً سالکاً للسیطرة الاقتصادیة والثقافیة والسیاسیة المتزایدة على هذا الجزء الحسّاس من العالم، ها هی الآن تواجه أمواجاً من السخط والرفض والنفور من شعوب المنطقة. ومما لا شک فیه أن الأنظمة المنبثقة عن هذه الثورات سوف لا تنصاع أبداً لحالة عدم التعادل المهینة السابقة، وسوف تتغیر الجغرافیا السیاسیة لهذه المنطقة بید الشعوب وفی اتجاه التحقیق التام لعزّتها واستقلالها.والأخرى: أن الطبیعة المزوّرة والمنافقة للقوى الغربیة قد انکشفت لشعوب هذه البلدان. أمریکا وأوربا بذلتا کل ما فی وسعهما بشکل من الأشکال لإبقاء صنائعهما فی مصر وتونس ولیبیا، وحین تغلّب عزم الشعوب على ما أرادوه، توجّهوا إلى هذه الشعوب المنتصرة بابتسامة صداقة مزوّرة.الحقائق القیّمة والآیات الإلهیة البینة فی حوادث العام الأخیر بهذه المنطقة أکثر مما ذُکر ولیس بالعسیر على أهل التدبّر أن یروها ویعرفوها.ولکن مع ذلک فإن الأمة الإسلامیة بأجمعها وخاصة الشعوب الناهضة بحاجة إلى عنصرین أساسیین:الأول: مواصلة النهوض، والحذر الشدید من وهن العزم الراسخ. الأمر الإلهی للنبی الأکرم (صلى الله علیه وآله وسلم) فی القرآن الکریم هو: (فَاسْتَقِمْ کَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَکَ وَلاَ تَطْغَوْا) و (فَلِذَلِکَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ کَمَا أُمِرْتَ) وفی الکتاب الکریم على لسان موسى قوله سبحانه: (وقَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِینُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ یُورِثُهَا مَن یَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِینَ).إنّ مصداق التقوى البارز للشعوب الناهضة فی هذه الفترة یتمثل فی عدم توقّف حرکتها المبارکة، وأن لا تُلهینّها منجزات هذا المقطع. هذا هو القسم الأعظم من التقوى التی وُعد أصحابها بعاقبة الخیر العمیم.الثانیة: الوعی والیقظة أمام ما یکیده المستکبرون الدولیون والقوى التی صُفعت جرّاء هذه الثورات والنهضات. هؤلاء سوف لا یقفون مکتوفی الأیدی، بل سیتوجهون إلى الساحة بکل قواهم السیاسیة والأمنیة والمالیة لاستعادة نفوذهم واقتدارهم فی هذه البلدان. آلیّتهم فی ذلک التطمیع والتهدید والخداع. التجارب دلت على أن بین الخواص یوجد مَن تفعل هذه الآلیة فعلَها فیهم، ویدفعهم الخوف والطمع والغفلة عالمین أو غیر عالمین، إلى خدمة العدوّ. لابدّ أن تکون عیون الشباب الیقظین والمثقفین وعلماء الدین فی حالة دقیقة من المراقبة.إنّ أهم خطر هو تدخل جبهة الکفر والاستکبار وتأثیرها على صیاغة النظام السیاسی الجدید فی هذه البلدان. سوف یبذلون ما وسعهم کی لا تتخذ الأنظمة الجدیدة هویة إسلامیّة وشعبیّة. المخلصون فی هذه البلدان بأجمعهم والذین یحملون همّ عزة بلدانهم وکرامتها وتطورها کلهم یجب أن یسعوا إلى تحقیق إسلامیة النظام الجدید وشعبیته بشکل تام وکامل. دور الدساتیر له المکانة البارزة فی هذا المجال. إن الاتحاد الوطنی وقبول التنوع المذهبی والقبلی والقومی شرط لما یُستقبل من انتصارات.لِتعلَم الشعوب الشجاعة الناهضة فی مصر وتونس ولیبیا والشعوب الیقظة المناضلة الأخرى أن نجاتها من ظلم وکید أمریکا وسائر المستکبرین الغربیین یکمن فقط وفقط فی أن یکون تعادل القوى فی العالم لصالحهم. من أجل أن یستطیع المسلمون حلّ مسائلهم بشکل جادّ مع القوى العالمیة الطامعة، یجب علیهم أن یوصلوا أنفسهم إلى مشارف قوة عالمیة کبرى. وهذا لا یتحقق إلاّ بالتعاون والتعاضد والاتحاد بین البلدان الإسلامیة. وهذه هی الوصیة الخالدة للإمام الخمینی العظیم. أمریکا والناتو بذریعة القذافی الخبیث والدکتاتور صبّت النیران لأشهر على لیبیا وشعبها. والقذافی هو نفسه الذی کان یُعتبر قبل ما أقدم علیه الشعب اللیبی من نهوض شجاع من أصدقائهم المقربین، وکانوا یحتضنونه وینهبون ثروات لیبیا على یدیه، بل من أجل اِغوائه یشدّون على یدیه أو یقبّلونها.. وبعد نهوض الشعب اتخذوه ذریعة وهدموا جمیع البنى التحتیة فی لیبیا. أیة دولة استطاعت أن تحول دون مأساة قتل الشعب اللیبی وانهدام لیبیا بید الناتو؟ مادامت مخالب القوى الدمویة الطامعة والوحشیة الغربیة لم تنکسر فإن مثل هذه الأخطار متصوّرة للبلدان الإسلامیة، ولا نجاة إلاّ بتشکیل قطب مقتدر من العالم الإسلامی.الغرب وأمریکا والصهیونیة الیوم أکثر ضعفاً من أی وقت مضى، إنّ المشاکل الاقتصادیة، والهزائم المتتالیة فی أفغانستان والعراق، والاعتراضات العمیقة الشعبیة فی أمریکا والبلدان الغربیة الأخرى التی اتسعت یوماً بعد یوم، ونضال الشعب الفلسطینی واللبنانی وتضحیاتهما، والنهوض البطولی للشعوب فی الیمن والبحرین وبعض البلدان الأخرى القابعة تحت نفوذ أمریکا.. کل هذا یحمل بشائر کبرى للأمة الإسلامیة وخاصة للبلدان الثائرة الجدیدة. المؤمنون من الرجال والنساء فی جمیع أرجاء العالم وخاصة فی مصر وتونس ولیبیا علیهم أن یستثمروا أکثر فأکثر هذه الفرصة لإقامة القوة الدولیة الإسلامیة. ولیتوکل الخواص وطلائع النهضة على الله العلی القدیر ویعتمدوا على وعده بالنصر، ویزیّنوا الصفحة الجدیدة المفتوحة من تاریخ الأمة الإسلامیة بمفاخرهم الخالدة التی ترضی الله تعالى وتوفّر لهم عوامل نصرته سبحانه.

والسلام على عباد الله الصالحین
سید علی الحسینی الخامنئی
29
ذی القعدة 1432 هجریة قمریة